27 مارس 2010 – 11:17 م | تعليق واحد

رهاف قصاص طالبة سعودية تدرس في الجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا؛ التقينا بها في أحد الأنشطة الاجتماعية التي يقيمها المتحف الوطني، حيث عرفنا أنها اختارت المتحف الوطني بالمملكة لتتلقى تدريبها العملي في مجال ترميم الآثار أثناء …

أكمل قراءة بقية الموضوع »
اخبار اقتصادية

اخبار الحوادث

اخبار ثقافية

اخبار رياضية

اخبار سياسية

الرئيسية » تحقيقات وتقارير

سواح «القطة»..الرصيد مكشوف و«العجز» يعجّل بالرحيل!

كتبة بواسطة : اليكس في 25 مارس 2010 – 9:46 ملا توجد تعليقات

لا شك أن قيام صندوق التنمية العقارية في أواسط التسعينات الهجرية قد أوجد جملة من المتغيرات الاجتماعية ليس في ثقافة السكن وحدها، وإن كان هذا هو غرضه الأساس، وإنما أيضاً على صعيد السلوك العام والعلاقات الاجتماعية التي بدأت تتشكل بدافع الجوار الجديد في المخططات التي أحياها الصندوق، بعد أن غادر كثيرون ثقافة الحارة إلى غير رجعة، وكان من بين تلك المتغيرات أن أسال الصندوق المال في أيدي طبقات اجتماعية كانت قبله تعيش الكفاف وفي حدّه الأدنى، خاصة تلك الطبقات الاجتماعية مادون الوسطى، والتي اتفق على تسميتها ب(الدخل المحدود) وهو الاصطلاح الذي استخدمه الصندوق في مشروعه الإسكاني الكبير.

انتدابات وهمية

هذا المتغير فتح الباب على سلوكيات اجتماعية جديدة، من بينها انفتاح باب السفر للاصطياف والاستجمام الذي كان في السابق حكراً على ذوي اليسار، فكثرت ذرائع (الانتداب) في أوساط الموظفين، وأخذت بانكوك وكازا إلى جانب دمشق والقاهرة نصيب الأسد من هذه الانتدابات الوهمية..أما بيروت فقد كانت وقتها خارج الاكتشاف ولا يعرفها سوى “المعتقون” من الكهول لأنها كانت مشغولة بالحرب الأهلية، أو حرب الآخرين على أرضها حسب التعبير الشهير للأستاذ الكبير غسان تويني.

كانت قوافل الشباب تتدافع نحو هذه المدن بشكل غير مسبوق، بعضهم ممن لا يستطيع توفير مصروفات السفر لجأوا إلى ما يعرف ب(القطة) أو المساهمة، في محاولة للتقليص من النفقات ما أمكن، ورغم أن هذا الأسلوب كان أن وفر بالفعل لهم إمكانية تمديد الرحلة لوقت أطول..إلا أنه لم يمنع من وقوعهم في بعض الأحيان ضحايا لجشع النصابين والمحتالين ممن يوهمونهم بامكانيتهم تقديم كافة الخدمات لهم ابتداء من اختيار الشقة وتأمين السكن الملائم، إلى تأمين كل ما يؤمن لهم الراحة والهدوء، فيما هم يسرقونهم عياناً بياناً.

كان الكثيرون من سواح القطة يستخدمون سائق التاكسي كخبير سكن، ومرشد سياحي، وبودي قارد إن لزم الأمر، وولي أمر أحياناً، خاصة حينما يقعون ضحية لموقف ما يتأزم مع مشاعر الغربة، وهو ما يسهل عملية ابتزازهم من بعض ضعاف النفوس، وينسف قدرتهم على ضبط المصاريف؛ ولاسيما وأن كثيرين منهم ممن لم يسبق وأن غادر موطن إقامته في بلده فهو قد لا يعرف المدينة المجاورة لمقر سكناه، حيث تؤدي ندرة التجربة في السفر إلى كثير من المتاهات التي لا يفلح معها التقتير، أو وجود مسئول واحد عن المصاريف.

وقد أدت حمى السفر هذه إلى انتعاش سوق الفن الهابط في المرابع الليلية والذي يلعب على العواطف لاستدرار المال، حيث يجري تسويق التحايا على لسان المغني أو المغنية باسم هذا البلد أو ذاك مقابل زيادة جرعات “التنقيط” التي غالباً ما تعصف بالقطة إذا كان المسئول المالي للرحلة عاطفياً أكثر مما ينبغي، ويمكن أن تنطلي عليه تلك الحيل الابتزازية.

“وانت وش ودّاك هناك؟”!

أما الأكثر غرابة في هذا الجو الملبد بالقتامة والشكوك والتمثيل والادّعاء، والتمنع والانسياق، فهو ذلك التداخل العجيب ما بين القيم المضمرة والسلوك القائم.. فكثيراً ما تطوع أحدهم للوشاية (من باب النصيحة) هكذا يحاول أن يقنع نفسه.

ذات مرة كان ثلاثة من الكهول من مدمني السفر بالقطة يتسللون تحت جنح الظلام إلى ملهى ليلي في إحدى المدن العربية، كلهم يملك من سمات الوقار ما يقربهم إلى صدر المجلس.. أي مجلس، وحينما استبدت بأحدهم نشوة الزار لمح في ركن قصي وتحت الإضاءة الخافتة عينين شابتين تتربص بهم فلم يطل به المقام ليتعرف على صاحبهما، إنه ابن جاره.. فاسترد وقاره سريعاً ولزم مقعده إلى أن انفض السامر.. وفي أثناء عودته.. يمم إلى بيت جاره ليروي له أنه شاهد ابنه في مكان لا يليق به.. الطريف أن هذا الجار توقف عند الرواية، ولم يناقش مسألة الراوي، ربما لأن القيم الظاهرية للراوي لا تتيح مناقشته في أبسط أبجديات هذه الوشاية التي لبست ثوب النصيحة.. فبادر إلى محاسبة ابنه دون أن يطرح سؤالاً صغيراً:(وانت وش ودّاك هناك ؟).

هذه الواقعة التي لا أحد يعرف بطلها، وربما تكررت عشرات المرات بأبطال مختلفين، تكشف بشكل أو بآخر عن ذلك التنازع الكبير ما بين منظومة القيم والعادات السائدة من جهة، والمسلكيات الطارئة التي أنجزها هذا الفضاء الفجائي والرغبة العارمة في اكتشاف هذا العالم الجديد من الجهة الأخرى، مع البقاء تحت سيطرة الهلع من رؤية الناس وماذا يقول الناس؟ لتنامي الشعور بالخروج عن المألوف.. بمعنى أن هذا التدافع نحو السفر قد خلق إشكالاً نفسياً لدى كثيرين عندما أتاح لهم على حين غرة مواجهة ذواتهم بعيداً عن عين الرقيب الاجتماعي كما يتوهمون؛ فإذا بهم يتعثرون به في طريقهم في ذات المكان الذي لم ينتظروه فيه، وقد تجلى هذا الإشكال أو الأزمة النفسية في هذه النصيحة.. أو الوشاية!.

  • Share/Bookmark

شارك بتعليقاتك !

أضف تعليقك أدناه ، أو رابط دائم من موقعك.. يمكنك أيضا الأشتراك في هذه التعليقات من خلال الخلاصات

ليبقى موقعنا نظيف من رسائل السبام.

تستطيع أستخدام هذه الأكواد في تعليقاتك :
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>